ابن تيمية

73

مجموعة الفتاوى

وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةَ فَإِذَا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا " الثَّلَاثَ " طَلَاقاً مُحَرَّماً مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً جُمْلَةً وَاحِدَةً : فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ " أَحَدُهُمَا " يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ . و " الثَّانِي " لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَيَنْكِحَهَا بِعَقْدِ جَدِيدٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ . وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد ابْنِ حَنْبَلٍ ؛ وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً } . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ { ركانة بْنَ عَبْدٍ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ وَرَدَّهَا عَلَيْهِ } وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ثَبَّتَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ . وَضَعَّفَ أَحْمَد وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ مَا رُوِيَ { أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَقَدْ اسْتَحْلَفَهُ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ } فَإِنَّ رُوَاةَ هَذَا مَجَاهِيلُ لَا يُعْرَفُ حِفْظُهُمْ وَعَدْلُهُمْ ؛ وَرُوَاةُ الْأَوَّلِ مَعْرُوفُونَ بِذَلِكَ . وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادِ مَقْبُولٍ أَنَّ أَحَداً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً بِكَلِمَةِ وَاحِدَةٍ فَأَلْزَمَهُ الثَّلَاثَ ؛ بَلْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كُلُّهَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَلَكِنْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ : { أَنَّ فُلَاناً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً } . أَيْ ثَلَاثاً مُتَفَرِّقَةً . وَجَاءَ { أَنَّ الْمُلَاعِنَ طَلَّقَ ثَلَاثاً } وَتِلْكَ امْرَأَةٌ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى رَجْعَتِهَا ؛ بَلْ هِيَ